الجمعة ، 22 سبتمبر 2017 ، الساعة 10:33 بتوقيت مكة المكرمة
الرئيسية / أخبار أخرى / إبراهيم الجبين لشبكة سوريا مباشر: “عين الشرق” كتابٌ ضد الإبادة واحتقار الشعوب

إبراهيم الجبين لشبكة سوريا مباشر: “عين الشرق” كتابٌ ضد الإبادة واحتقار الشعوب

دمشق التى سمّاها الرومان “عين الشرق” تختزل المشرق كلّه، وفيها تدور كل القصص السرية، من اليومى البسيط، إلى المخططات الكبرى التى عادة ما تغيّر وجه المنطقة، وفى هذه الرواية، رصدتُ يوميات عشتُها فى دمشق، ما بين الخيال والواقع، وربما بهما معاً، وقد لا أميز مرات، أى منهما هو الواقع، الخيال أم الواقع ذاته، مبدتئاً من مدن سورية عديدة، أشخاص قدموا من ثقافات عديدة، محملين ببضائعهم الإنسانية والوحشية معاً، فاخترقوا عوالم الفكر والأدب والفنون، مغرقين المدينة فى التهتك، مواصلين رجم المجتمع السورى العريض الذى اشتهر بتعدده وبساطته وتعقيده فى الوقت ذاته، وهو ذاته المجتمع الذى سمّاه النظام السورى لاحقاً “البيئة الحاضنة للإرهاب” مبرراً كل أشكال الإبادة التى طبقها على سكّانه فى مدنه وأريافه. هكذا عبر الكاتب والإعلامى إبراهيم الجبين، بعنوان “عين الشرق ـ هايبرثيميسيا 21”. رسم له الغلاف الفنان السورى يوسف عبدلكى، صور شتى فى رواية “عين الشرق”، وملل ونحل من مشارق الأرض ومغاربها تلامحت وجوهها فى الازقة قديمة ومحدثة، لكن البطل هو المدينة. دمشق، فهى “عين الشرق”. بمناسبة صدور الرواية، والثورة السورية في وضعها الراهن سألنا عن الرواية والراوي واقتربنا منه كثيرا في حوار ممتع كما يلي:

1-عين الشرق. ما سبب اختيار هذا العنوان للرواية؟ وما سر ارتباطها بدمشق؟ 

ـ “عين الشرق” اسم من أسماء دمشق القديمة، أطلقه عليها، كما هو معلوم، الإمبراطور يوليان. لست أنا من اختاره، لكني اخترت يوليان وزاوية النظر التي يطل منها ليرى دمشق. وهو الإمبراطور المفكر الشكاك، الذي لم يقبل العقائد والإيمانات التي سادت في عصره هكذا، بل جادلها وراسل أهلها وناقشهم فلسفياً في محتواها وفي اتجاهاتها، حيال العالم والوجود والإنسان والطفل والمرأة. إن قيمة يوليان الآن في فكره، وفي وقوفه ضد الغزو الفارسي لسوريا. ودفاعه عن تلك البلاد حتى آخر لحظة في حياته، حين مات على ضفاف الفرات. كات يوليانوس آخر حاكم روماني “غير مسيحي”، فقد رفض اعتناق المسيحية وفضّل الوثنية الأفلاطونية. يدخل إلى الرواية من خلال سوليدوس (عملة رومانية) يعثر عليه الراوي وصديق له، وفي شوارع دمشق القديمة، وهما يمشيان في الطريق إلى حارة الفرايين على كتف السور، يدوّر الراوي السوليدوس بإصبعيه في الهواء، فيدور وجه يوليانوس المحفورعليه وتدور معه شخصيته الغائبة الحاضرة. هذا الرجل الذي خلّفت له أبحاثه وتنقيباته الكثير من الأعداء. حسدوه بسبب حب الناس له، كما تقول كتب التاريخ. يوليانوس يعيش معنا اليوم، فهو الذي خاطب مسيحيي الجليل في رسالته الشهيرة قائلاً “إذا لم تكن كل قصة من هذه القصص (الواردة في سفر التكوين) أسطورة لا أكثر، وإذا لم يكن لها، كما أعتقد بحق؛ تفسير يخفى عن الناس، فهي مليئة بالتجديف في حق الله. ذلك أنها تمثله، أول ما تمثله، جاهلاً بأن التي خلقها لتكون عوناً لآدم ستكون سبب سقوطه. ثم تمثله ثانياً إلهاً حقوداً حسوداً إلى أقصى الحقد والحسد، وذلك بما تعزوه إليه من أنه يأبى على الإنسان أن يعرف الخير والشر. وأنه يخشى أن يصبح الإنسان مخلداً إذا طعم من شجرة الحياة. ولِمَ يكون إلهكم غيوراً حسوداً إلى هذا الحد فيأخذ الأبناء بذنوب الآباء”. يوليانوس هذا من أطلق على دمشق اسم Orientis Oculus  أي “عين الشرق”.

2– ما هي العلاقة التي تربط ابراهيم الجبين بدمشق بالذات دون غيرها من المدن السورية؟ قد يتساءل القارئ عن سبب عدم حضور عدد من المدن السورية في عين الشرق التي لها حظ وافر من الاهتمام المماثل من الغزاة؟ 

لا يخفى عليك المكانة الكيرة التي تحتلها بسرعة مدينة فريدة مثل دمشق في قلوب ساكنيها وزوارها حى. غير أن الحال بالنسبة، مختلف قليلاً. دمشق تحمل رمزية الاختيار هنا. فأنت تنتمي وتتحدر من المكان الذي ولدت فيه، أو تعود إليه جذور أسرتك. لكن هذا عندنا في الشرق، مختلف إلى حد كبير عما هو عليه الحال في أنحاء العالم. فنحن أرض تحول سكاني دائم، وبالتالي تحول معرفي وهجرة هويات مستمرة. فإذا بحثت عن المكان الذي تأتي منه أنت الآن، لن تجد إجابة ترضي وعيك ولا تروي عطشك المعرفي، ولن تكتفي بالجواب الإداري الحكومي، أنت من الشرق، وقلب الشرق وعينه ومشروعه هي دمشق، المكان الذي نهاجر إليه، ونهاجر إلى المعنى الذي يحمله. التمدّن. بقية المدن السورية لا تقل أهمية، غير أنها تدور في فضاء دمشق.

3- جاءت رواية “عين الشرق” بعد عشر سنوات من آخر رواية قمتم بإصدارها في العام2007  كان عنوانها “يوميات يهودي من دمشق”، ما هو سبب ذلك؟ كيف جاء سياق هذه الرواية وما علاقته بإسقاطات الواقع الحالي؟

ـ لا توجد مواعيد محددة سلفاً للكتابة، ولكن قد يكون التأخير مقصوداً. لست ممن يرسلون كل ما يخرج من بين أيديهم إلى المطابع، خشية ألا ينتجوا مثله. بالعكس، أواجه قسوة ذاتية على ما أكتب، فلا ينجو منه إلا القليل. هذه مواقيت لا يعلم بها إلا الله. وربما الكاتب ذاته، في تلك السنوات العشر، عملت على مشاريع مختلفة، منها بصري تلفزيوني وشعري وصحفي وبحثي مكتوب. لم أكن متوقفاً. لكن لم أشأ أن تكون المواكبة الإبداعية لما يجري في سوريا، من انتفاضة شعبية ضد الاستبداد والفساد والوحشية والتخلف والظلام في الوقت ذاته. لم أشأ أن تكون تلك المواكبة كمن يكتب تقارير صحفية صف ما يحدث وتحرّض المشاعر على التفاعل معه. ولم أرد قول ما بات يعرفه الجميع. لكن اردت الرجوع إلى جذور الانفجار السوري، سواء في الحياة العامة والمحاور والتيارات الكبيرة التي تتصارع على سوريا أو في تلك التفاصيل الصغيرة والحميمة. وهو ما تجده في “عين الشرق”.

4- تبدأ الرواية بعلاقة جمعت الراوي مع رسام عجوز في مرسمه في التكية السليمانية في دمشق، مهووس بجمع الأشياء القديمة، كان قد عمل في الشعبة الثانية (المخابرات السورية) في الخمسينيات، وأطلق بيده رصاصة الرحمة، كما يقول، على كثير من معارضي السلطات التي حكمت سورية وبلاد الشام؟ لماذا اخترت هذه البداية؟ وهل دور المخابرات في الدولة السورية قوي بهذا التأثير منذ الخمسينيات؟

ناجي رسام عجوز، لديه ولع بجمع الأشياء، وعدم التخلص منها، لديه فوبيا من ركوب السيارات، وفوبيا من التخلص من الأشياء مهما كانت قيمتها. وفي تلك الشخصية ما يسحر كاتباً مثلي يبحث في أسرار التفاصيل. أما عن المخابرات، فدعني أحدثك عنها قليلا، إذ أن مشكلتنا الكبري في المشرق دون شك هي أجهزة المخابرات، التي تتولى عملية برمجة المجتمعات والسيطرة عليها والعث بمركباتها ومفاهيمها. ولولا تلك الأجهزة التي نمت ونشأت مع رحيل الجيوش الاستعمارية أواسط القرن العشرين، لكان شكل الشرق مختلفا. من الذي يتواصل مع النخب ويرعبها ويزرع فيها رجاله وعملاءه؟ من الذي يتحكم بالتنمية السكانية والمناهج والتعيينات والقضاء ومحاسبة الفاسدين وانفلات الاقتصاد؟ من الذي يتواصل مع الأجهزة الأمنية والحكومات الغربية ويساومها على أمنها باستعمال أبنائننا كسلعة للتفاوض؟ من يفعل هذا هو الأجهزة الأمنية المسؤولة عن تضخم سرطاني للدولة اللادولة في المشرق، لدولة المافيات والمصالح المتبادلة، المسؤولة عن هزال الثقافة والمثقفين، ونشر الإرهاب والتطرف لترهيب المجتمعات وتفريق المكونات عن بعضها البعض وزرع الطائفية والعنصرية. كلنا نعرف أن الأجهزة الأمنية هي من يفعل هذا. وهي من يحمي الواجهات التي تدعي أنها تحكم بلداننا.

5- من يتابع التعليقات المميزة في صفحتك الشخصية بخصوص ابن تيمية وقد وضعت عنوانا لإحدى مقالاتك اللافتة “استردوا ابن تيمية من سائر التكفيريين”. وكانت تلك الشخصية الهامة على الصعيد الديني والتاريخي في الرواية قد أخذت حيزاً كبيراً وهاما فيها، ماهو الأمر الذي دفعك شخصيا نحو الاهتمام بهذه الجزئية عند الكتابة؟ وماهي المعاني التي ترغب بأن تصل للقارئ بخصوص هذه الشخصية؟

إذا سمحت لي، دعنا نسأل السؤال التالي؛ ماذا لو كنت أنا على حق بشأن ابن تيمية. عن كونه لا يمثل مرجعاً للتكفيريين؟ على ماذا سنحصل؟ وما الذي يتوجب علينا فعله إزاء تلك الحقيقة. أنت تقول لفئة من الناس، إن مرجعكم الأكبر، شيخ الإسلام، لم يقل بتكفير أحد. ولم يصدر فتاوى بقتل الطوائف كما نسب إليه. بل على العكس تماما، كان قد رفض تطبيق حديث نبوي يكفّر الخوارج. ولم يكفّرهم. كيف سيصرف المتطرفون حينها؟ وماذا عن الطوائف والإقليات علاوة على أصحاب الفكر الأقلوي الضيق الذي يفتح باب الطائفية؟  سيجدون أنفسهم بلا ذريعة لإعلان الخوف من الآخر، ومن كونه سيبطش بهم ما أن يتمكن من ذلك. دوري كان فقط لفت الأنظار إلى ثوابت هامة ومبدئية عند ابن تيمية، السجين في قلعة دمشق، وهو الذي مات في زنزانته تلك. ويبقيه فيها الجميع اليوم سجين رأي دون أن يقرأه أحد. بل يقدمونه مجاناً هدية للطائفيين والمتطرفين والمهووسين ومدّعي العلمانية ممن لا يكلفون خاطرهم بالإطلاع والقراءة. وكذلك بضاعة جيدة لمشايخ السوء والمنافقين الذي يستعملون شتم ابن تيمية جسراً للحصول على مكاسب رخيصة.

6- أخذت القارئ في شوق كبير وفي ذكريات رائعة عن دمشق وعظمتها؟ والقارئ الحالي من الجيل الشاب سيرى دمشق كذكريات أو ربما يتساءل عن أي مدينة يتم الحديث من شدة روعتها التي لم يرها؟ كيف يمكن أن يشعر قارئ “عين الشرق” وهي تقبع تحت احتلال وتغيير وعبث فيها؟ 

 ـ سؤال مؤلم. لكن لماذا نكون متشائمين، ونفترض أن دمشق التي نعرفها، وما تمثله، برمزيتها عن سوريا كلّها، قد صعدت إلى السماء ولن تعود؟ هذا نضال وصراع مستمر حتى هذه اللحظة، ولا أؤمن أنه سينتهي بتغلب الاستبداد والظلام والقوى الرخيصة التي تدور في فلكهما على الشعب وعلى إرادة الحياة والمستقبل. سيزول الاحتلال الحالي، كما زال الذي قبله والذي قبله، وبقيت دمشق وبلادنا وترابنا وأنهارنا وأفكارنا عالية مترفعة.

7- ما هو المقطع الذي بكيت فيه عند كتابته في الرواية؟ وما هو المقطع الذي كتبته وأنت لم تكن تعرف عنه هذه المعلومة سلفا؟

 ـ المقطع الذي غالبني الدمع أثناء كتابته، كان حين وصفت بيتي في دمشق، والصعود إليه كأنك تصعد عبر الغيوم. أما المقطع الذي لم أكن أعرف عنه هذه المعلومة أو تلك، فكثير، لأني أعتقد أن الكتابة تفاعل مستمر بين الكاتب والأشياء والمحتويات الفكرية والجمالية. لذلك يصبح الاكتشاف في الكتابة عملية شاقة، لكن ممتعة، فتقودك السطور إلى منعرجات وتضاريس، تتطلب التوثيق، وهذا يفرض البحث المضني والتدقيق والمراجعات.

8- في الراوية لا يلحظ القارئ الحديث عن الطغمة الحاكمة بقيادة حافظ الأسد في دمشق، والأدوار التي مارسها ومن خلفه الحاقدون على دمشق؟

ـ لا يمكنك أن تكون حاسماً في هذا الجانب، فالحديث عن الظواهر، يعني الحديث عن مسببيها، وفي “عين الشرق” لم أكتب مواربة أبداً، بالعكس. كنت أذهب مباشرة إلى الأشياء وأسميها وأوصفها.

9- الوضع الحالي أو الجسد السوري لدى القارئ أين يمكن أن يكون مطابقا لما جاء في في عين الشرق وأين يمكن أن يكون مختلفا عنها؟

 ـ قد يكون الأفضل الاستماع إلى آراء من قرأ الرواية، وكتب عنها، مقالات أو ملاحظات أو منشورات في وسائل التواصل الاجتماعي. ما يتقاطع فيه الجميع، هو أن دمشق مصغرة وسوريا مصغرة ظهرتا لهم من بين غلافي “عين الشرق”، وهذا يعني أن كل قارئ وجد نفسه في الرواية، ووجد التفاصيل التي عاشها ويعيشها في هذه اللحظة.

10- لا يخفى على أحد حب الأستاذ إبراهيم الجبين للصراحة وعدم الأخذ بأي اعتبار، وقد نقل الكثيرون عن إدانتك لأدونيس بوثائق من تاريخه الذي لا يمكنه التبرؤ منه، لو وضعت القارئ في خلفية هذا الأمر ودلالته باعتبار هذه الشخصية التي تلقى اهتماما في بعض الأوساط؟

ـ يتوقع الجميع أن “عين الشرق” تصور أدونيس بصورة بشعة. ولكن هذا غير صحيح. هي تدرس القوس الزمني المحزن الذي قاده من لحظة ركضه حافياً في الحقول ليصل إلى الرئيس شكري القوتلي، ويقرأ عليه قصيدته التي امتدحه فيه، وطلبه منه أن “يتعلم” وهذا مطلب حق رائع لم أرد أن يفلت من بين يدي، وفي المشاهد الي صورته فيها، أدرجت القصيدة التي تنشر في كتاب لأول مرة، عادة أدونيس يتهرب من تذكرها، لنمضي مع ذلك القوس إلى لحظة كونه اليوم يقف مع المجرمين ضد أحفاد القوتلي. لماذا حصل هذا التحول؟ وكيف تغيرت أفكار المتحدر من أقلية تجاه الأكثرية؟ وأين ذهب الفكر العالمي الذي حمله والثقافة العميقة الواسعة التي مثلها سابقا؟

11- هل عين الشرق ستقلع عين الغزاة الحاليين أم سترضخ حفاظا على حالها؟ وأين تراها في شكل الهوية؟ 

ـ نعم تقوم بذلك كل يوم، وفي كل لحظة ينشر فيها مقال عن الرواية في منبر ما، تأكد أن هذا يصيب المجرمين في مقتل، سواء كانوا من الانتهازيين أو المستبدين أو الطائفيين أو الظلاميين المتطرفين. حاولت أن أترك الهويات فيها تتحرك وتتبدل مثل خارطة الرمال الملونة. “عين الشرق” بحث في التكوين الفكري لنا، الذي كان محرماً باسم التشابه. ولكن التشابه كان يخفي تحته الكثير من الاضطهاد الذي مورس على الجميع.

12- هل ستكون الرواية القادمة عن حمص أو حلب أو مدينة سورية أخرى 

 ـ من يدري؟ بالعموم كثيرون ممن أعتز بانتباههم، قالوا بعد قراءة “عين الشرق” إن البطل فيها ليس مدينة دمشق، ولكن التفاصيل السورية، بدليل أن دير الزور تحضر فيها وكذلك جبلة وعامودة وغيرها. الفضاء السوري المفتوح هو ما يريدون تحويله إلى جرح سوري مفتوح.

Print Friendly, PDF & Email

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *