الجمعة ، 22 سبتمبر 2017 ، الساعة 10:32 بتوقيت مكة المكرمة
الرئيسية / مقالات / استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا منذ عهد «كلينتون» وصولًا لحكم «ترامب»

استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا منذ عهد «كلينتون» وصولًا لحكم «ترامب»


عبدالله البشير – سوريا مباشر
تشكل سوريا حجر أساس للجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، والصراع الروسي الأمريكي فيها لن يكون سهلًا أو ضمن اتفاقيات محددة، فلم تقبل الولايات المتحدة سابقًا بتسويات سياسية وإن كان ظاهريًا مع روسيا، وسارت على نهج الصقور فيها الذي يقول إن السيادة العالمية يجب أن تكون للولايات المتحدة، ويبقى هدفها في سوريا بتأكيد وترسيخ الهيمنة ضمن هذا الإطار، الأمر الذي تتجاهل فيه الولايات المتحدة عامل الوقت مقابل المكاسب.

«قاسيًا، ولكن كان ذكيًا» هكذا وصف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في أول لقاء له مع الأسد الأب سنة 1994 في جنيف، خلال صفقة أكد فيها كلينتون أنه حصل على ما وصف بتنازلين على حد تعبيره وتوصيفه العلني، مع غياب ربما لتنازلات خفية من الأسد الأب وهما: استعداده للاعتراف بإسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الجولان، وكذلك الانسحاب من لبنان مقابل «حل شامل لمشكلة الشرق الأوسط»، موضحًا أن سوريا كانت جادة وإيجابية بالمفاوضات على عكس إسرائيل، لكن تولى بشار الأسد تطبيق بنود صفقة أبيه، حيث أعلن بشار الأسد في الخامس من مايو (أيار) من عام 2005م أن بلاده ستسحب قواتها المتمركزة في لبنان بالكامل إلى منطقة سهل البقاع ومن ثم إلى سوريا، ليتم بعدها تطبيق أحد بنود الصفقة بين بيل كلينتون وحافظ الأسد على يد ابنه بشار.

لكن وبعد مضي 23 عامًا على لقاء الأسد الأب وبيل كلينتون بقي أحد التنازلات في يد بشار الأسد، ليقدمه كورقة لحليفه الحالي «فلاديمير بوتين» الذي دعم في فترة من الفترات وقبل توليه الرئاسة في روسيا عام 2000م من قبل حكومة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، بغرض تصدير النموذج الأمريكي في الحكم إلى روسيا وخلق نسخة أخرى عن الولايات المتحدة في دولة قد انهار فيها الاتحاد السوفيتي، لتتغلغل الولايات المتحدة في صلب نظام الحكم ضمن الكرملين، الأمر الذي استطاع بوتين بعده المناورة والتملص منه ليتعرض وبشكل مباشر لتهديد العقوبات الاقتصادية التي تشكل هاجسًا اليوم لبوتين.

اليوم الولايات المتحدة ليست عاجزة عن إسقاط نظام الأسد الابن في القواعد، إما بضربات جوية أو اجتياح بري، لكن القيادة السياسية في الولايات المتحدة تعلم جيدًا أن الصفقة سيتم تطبيقها، وأن الوقت غير مهم فيها، وهي تدفع أقل التكاليف، فقد استغرق البند الأول فترة تقارب 12 عامًا للتطبيق لكن الوقت غير مهم، وكما حصل في فترة حكم الرئيس باراك أوباما الولايات المتحدة لم تكن تبالي أو حتى تأبه بالحرب في سوريا، وتعلم أن الأطراف الإقليمية المتصارعة لا يمكن أن تجلس على طاولة حوار واحدة وتتوصل إلى حل، وهي تصر أكثر فأكثر على إغراق روسيا واقتيادها لأطول فترة ممكنة من الحرب في سوريا، ليس بهدف الحصول على التنازلات من بشار الأسد، لكن للحصول عليها من حليفه فلاديمير بوتين، بالطريقة الأصعب والأكثر إذلالًا للنظام الروسي، لتوصل رسالة بأن المنطقة لا تزال تحت سلطة الولايات المتحدة، وتؤكد أن لعبة عض الأصابع لا تزال مستمرة بين المعسكرين الروسي والأمريكي حتى اليوم، كما فعلت في أفغانستان والعراق سابقًا.

وهنا هل بإمكان بوتين حسم الصراع في سوريا على الطريقة الشيشانية؟

الأمر الذي يعتبر صعبًا حتى بالمفاهيم العسكرية الحديثة، وقبل أي طرح سياسي، كون جهاز «الكي جي بي» الروسي لا يستطيع المناورة ضمن «بيئة غير ملائمة له» إن صح التعبير، على عكس ما فعله جهاز «الكي جي بي» في الشيشان فقبل الحسم العسكري الروسي، استطاع هذا الجهاز شق طريق الحسم أمنيًا واستخباراتيًا ووفر غطاء سياسيًا يتيح لروسيا المنافسة، والضرب تحت الحزام دون الوقوع في أي فخ سياسي غربي، واليوم روسيا تسير بعلاقتها مع إسرائيل وبحذر كمن يسير في حقل ألغام، لكسب أكبر الهوامش الممكنة في المناورة مع الولايات المتحدة بذريعة إسرائيل، فهامش الحركة الروسية في سوريا محدود فعليًا وخيارات الحسم بدأت بالتقلص، حتى إن كانت المكاسب الحالية تعد بمستقبل لروسيا ضمن الجغرافيا السورية، ويبقى أن الولايات المتحدة تتخذ غموضًا أكثر في تحديد العدو من الصديق في سوريا، مع تحفظ أكبر من الروس، وحتى إنها تملصت من استحقاقات إقليمية لها، لتنفرد في اللعبة السورية بشكل أكبر وتراقب عن كثب عثرات الآخرين.

فنجد أن الولايات المتحدة تعلم أن مكاسبها ستتحقق سواء في الزمن القريب أو حتى بعد سنوات، وصفقات الأسد الأب سيكملها الأسد الابن، فلا داعي لبذل جهود أكبر من اللازم بالنسبة لها في الملف السوري، واستمرارية الصراع هي الوسيلة لتحقيق هذه المكاسب مع مراقبة الخصوم حتى تصل لمرحلة الإنهاك الفعلي.

 

Print Friendly, PDF & Email

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *