الجمعة ، 22 سبتمبر 2017 ، الساعة 10:32 بتوقيت مكة المكرمة
الرئيسية / مقالات / جِسرُ مُنتصفِ الليل

جِسرُ مُنتصفِ الليل

نجم الدين سمّان.
تأخرتُ.. فاتني ” ميترو ” استانبول؛ توقفَت حافلاتُ النقلِ الداخلي أيضاً.
ليسَ مِن عادتي أن اتأخرَ.. عن آخرِ رحلةٍ للميترو؛ لكنّ استنبول.. تخطِفُنِي في كلِّ مَرَّةٍ؛ و تخطِفُنِي من وقتي ” كاميرتي ” وأنا أنظر من عينها الثالثة إلى الأماكن والكائنات؛ كما لو أنّي أراها ..لأول مرَّةٍ؛ وعلى حقيقتها تماماً؛ وصورةً.. تِلوَ صورةٍ؛ حتى وَمَضَت شاشتُهَا باللون الأحمر في منتصف الليل تماماً؛ لتُنذرِني.. بانتهاء الشحن.
كنتُ أكتشفُ ” حيَّ السليمانية ” في استنبول ؛ حتى خِلتُ نفسي في حلب؛ وكان عليَّ إنهَاءُ اكتشافي قبلَ نِصفِ ساعةٍ من الآن.. لألتحقَ بالميترو قاصداً غرفتي الصغيرة في “مجيدية كوي”.
ثمَّ انتبهتُ.. إلى أنِّي قد التقطتُ آلافَ الصور.. للمُدن وللقُرى وللأشخاص وللأشياء الصغيرة العابرة؛ لأصدقاء العُمر.. كما لأعداء الحياة؛ وقلَّما اهتمَّ أحدٌ.. بأخذِ لقطةٍ لي.
ألِهَذَا اخترعَ.. أحدٌ؛ مِن فَرطِ وَحدتِهِ.. تقنيةَ “السيلفي” في التصوير؟!.
في منتصف ليل استانبول.. قررّتُ أن أذهبَ بِي؛ مشياً.. على قدمَيَّ؛ إلى غرفتي الصغيرة؛ ولهذا كان عليَّ.. أن أعبرَ جسرَ الميترو على “الخليج الذهبيّ” صعوداً.. نحو ساحة ” تقسيم” .
كانت الأضواءُ نِصفَ مُطفَأةٍ؛ ومحطّة الميترو غارقةً في النوم.
ثمّةَ.. نسَائِمُ ثالثِ شتاءٍ لي هنا؛ تَهُبُّ من البوسفور.. لِتُوقِظَ النوارسَ من أحلامها.
عَبَرتُ أولَ خطوتينِ من الجسر الحديديّ المُعلَّق؛ و تحسَّرتُ حين مَرَّت سفينةُ صيدٍ.. تحتي تماماً؛ ولم أستطع التقاطَ ظِلالِ ضَوئِهَا على الماء؛ وحينَ تابعتُ المَشيَ.. رأيتُ ظِلَّ أحدٍ ما؛ يعبرُ الجِسرَ من الجهة المُقابلة؛ كان الجسر خالياً تماماً.. سوى مِنهُ و مِنّي.
كيف تستنِفِرُ الرِيبَةُ بعد منتصف الليل؛ حتى في أكثر المُدُنِ أماناً؟! .
لوهلةٍ.. سمعتُ إيقاعَ خطواتِهِ؛ يتناوَبُ ..مع إيقاع خطواتي؛ حتى لكأنهما قرارُ الصوتِ و جواب الصَدى.
تبدَّى ظِلُّهُ.. أمَامَهُ؛ كما قد تبدَّى ظِلّي.. أمامي؛ حتى كاد يسبقني.. إليه؛ ثمَّ اكتشفتُ بأنه قريبٌ مِن طولي؛ ومِن حجمي.. قبل أن أتبيّنَ ملامحه؛ فخَفَّ توجُّسِي الداخليّ؛ على الأقل.. نحن مُتعادلان جسدياً؛ إذا فكّرَ.. بِخَطفِ محفظتي؛ سأتركها له.. بلا مقاومة؛ وأنا أضحك من خيبته.
ربَّما ستعودُ بهِ.. خيبَتُهُ؛ لِيَخطِفَ منِّي كاميرتي؛ عندها سأدافِعُ بشراسةٍ عن عينيَ الثالثة.. بكلَّ عينيَّ الاثنتين؛ وعن صوري التي لم يبقَ لي.. سواها؛ وقد خرجتُ مُهجَّراً من بلدي.. بقليلٍ من ثيابي؛ و بمِلَفٍ كبيرٍ من الصور.
كأنما كنتُ أهجِسُ وقتها؛ بأن لاشيءَ ..سيبقى للسوريِّ في منافيه؛ سوى.. هذه الصور.
بل كنت مُتيقناً.. وأنا أحمِلُ حقيبتي على ضهري كصخرة سيزيف؛ بأنَّ بلاداً قد لا تُستَعَادُ مِن خرابها؛ سِوَى.. بتلك الصور؛ وقد لا تُستعَاد الأرواحُ.. إلا بصورِ مَن غادرونا تحت القصف وتحت التعذيب.
لهذا تمسّكتُ بكاميرتي.. كالقابِضِ على الجَمر؛ بينما تَفصِلُنِي بِضعُ خطواتٍ عن العابر الغريبِ للجِسر.. باتجاهي. فجأةً.. تجمَّدَت في قدمَيَّ خطواتي؛و لِوَهلةٍ.. ظننت أنّي أعرفُه؛ تنهَّدَت روحي في صدري؛ فربّما.. سألتقي بعدَ قليلٍ؛ كعادتنا في استانبول؛ بصديقٍ قديم؛ فَرَّقَتنِي عنه.. الدروب والجسور.
تابَعَ العابرُ الغريبُ خطواتِهِ.. بثباتٍ؛ صِرتُ أحسِدُهُ عليه؛ وكأنّه لم يرَنِي بعدُ؛ أو أنّه.. غيرُ مُكترثٍ بي؛ و كلُّ منّا يتخِذُ يمينَهُ.. مساراً له؛ من غيرِ اتفاقٍ مُسبَق؛ وهذا شيء يدعو لطمأنينةِ ما بعد منتصف الليل.
لم تكن تفصِلُنا سوى أمتارٍ قليلة.. حتى شهقتُ.
– كم يُشبهني.. هذا الشخص.
اقتربنا خطوتين.. بل إنّه يُشبِهُني تماماً؛ سوى.. أنه أكثرُ شباباً منِّي؛ بشعرٍ أسودَ فاحمٍ؛ ولا.. شَيبَ فيه؛ يمشي بحيويَّةٍ.. كما لو أنّه في العشرين من العمر؛ ويلبس القميصَ و البنطال ذاتَهُ.. حين ارتديتهما قبل 25 عاماً؛ خلال زيارتي الأولى لاستانبول.
خطوتان.. فقط؛ حتى كِدتُ أصرخُ فيه:
– مالذي أتى بكَ أيضاً.. إلى استانبول؟!.
ثم توقَفتُ وأنا أُحدِّقُ فيه.. ببلاهة؛ بينما كان يتابع مسيرَهُ؛ غيرَ مُكترثٍ بي.
قبل 25 عاماً.. حين زرتُ استانبول؛ كنتُ.. بِعُمرِهِ تماماً؛ ولم يكن هذا الجسر موجوداً؛ ولا كان ذاك.. الميترو؛ ولا كلّ تلك الأنفاق؛ ولا كلُّ هذه الشوارع العريضة.
حين صار بمحاذاتي تماماً.. استدرتُ إليه:
– مرحباً نجم.. كيفك؟!.
فاتحاً ذراعيَّ.. لأعانِقَه؛ كما.. لم ألتق بنفسي؛ منذ غادرتُ دمشق.
بقِيَت ذراعايَ.. في الهواء؛ بينما استمرَّ في خطواتِهِ.. حتى تجاوزني.
لوهلةٍ.. خِلتُ أن نِصفِي قد غادرني؛ ليلحقَ بهِ.. فيتقمَّصَه؛ و بأنّي قد خسِرتُ نصفي؛ الذي طالما حرصتُ عليه.. مُترَعاً بالذكريات و بالصور؛ بالحبِّ.. كما بالخيبات؛ وبأنه قد مضى خاطفاً كلَّ ذاك.. منّي؛ عابراً الجسر إلى حيثُ لا أستطيعُ و.. يستطيع؛ مُبتعداً عنّي؛ ويلحقُ بهِ نِصفِي.. كالظلِّ الطويلِ؛ الممتدِّ.. حتى آخر الحنين.
توقفتُ عن السير.. و أنا أُراقبه يبتعد؛ حتى صار.. نقطةَ حِبرٍ أبيضَ؛ في سوادِ الليل؛ نقطةَ حِبرٍ سوداءَ.. على بياض هذا الورق؛ ثمَّ لوهلةٍ.. رأيتُهُ يتسلَّلُ ليلاً عبر الحدود؛ ليعود خفيفاً.. شفيفاً.. إلى الوطن؛ حتى غاب عن عينيّ؛ و غِبتُ في تغريبتي.. عن عينيه.

Print Friendly, PDF & Email

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *