الأربعاء ، 20 سبتمبر 2017 ، الساعة 12:41 بتوقيت مكة المكرمة
الرئيسية / أخبار أخرى / كيف يفكر تنظيم «داعش» في سوريا الآن؟

كيف يفكر تنظيم «داعش» في سوريا الآن؟


«تنظيم الدولة يعيد سيطرته الكاملة على مدينة تدمر» خبر عابر وقع الأحد الماضي، ربما لم يلتفت إليه الكثيرون في خضم التركيز على الحرب شرقي حلب، ولكنه يحمل دلالات تاريخية دعائية واقتصادية وسياسية وجغرافية، تعكس عقلية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا الآن، وتسلط الضوء على خريطة سيطرته الحالية، وإمكانية استفادته مما حدث خلال الأيام الماضية، في توطيد قوته بالرقة المعقل الأساسي للتنظيم في سوريا.

ما الذي حدث؟

في يوم 11 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الموافق يوم الأحد الماضي، وأثناء تكثيف الهجمات السورية والروسية على الفصائل المعارضة والمدنيين شرقي حلب، استعاد «تنظيم الدولة» سيطرته الكاملة على مدينة تدمر في محافظة حمص من النظام السوري وداعميه، وهي سيطرة كان قد فقدها التنظيم في نهاية مارس (آذار) الماضي، بعد سيطرته على المدينة السورية في مايو (أيار) 2015.

«القوات السورية فرّت سريعًا جدًّا من تنظيم الدولة في تدمر»، هكذا أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) على لسان المتحدث باسمها جيف ديفيس الثلاثاء الماضي، ولم يكن هذا من باب التحيز الأمريكي ضد النظام السوري وحليفه الدولي الأكبر روسيا، إذ نشرت صحيفة روسيا اليوم الرسمية، مقالًا للمعلق العسكري الروسي فيكتور بارانيتس، كتبه لصحيفة «كمسومولسكايا برافد»، وقال فيه بوضوح إن القوات السورية في تدمر «لم تشكل مشكلة» لـخمسة آلاف مقاتل من «تنظيم الدولة» جاؤوا من مدينة الرقة خلال ثلاث، أو أربع ساعات.

وقال ديفيس إن «تنظيم الدولة»، سيطر على كل العتاد الذي تركه النظام السوري في المدينة «وهذا يمكن أن يشتمل على عربات مصفحة ومدفعية»، في الوقت الذي أعلنت فيه حسابات مقربة من «تنظيم الدولة» على شبكات التواصل الاجتماعي السيطرة على «30 دبابة وست ناقلات جنود، وستة مضادات طيران عيار 1222ملم، وسبعة مضادات طيران عيار 23ملم، وأربعة مستودعات أسلحة خفيفة وذخائر، وكميات كبيرة من مضادات الدروع»، بالإضافة إلى قاعدة عسكرية روسية. وأقر النظام السوري بسيطرة «تنظيم الدولة» على المدينة، وقال إنه سيستخدم كل السبل لاستعادتها.

كيف أصبحت خريطة سيطرة «تنظيم الدولة» في سوريا؟

بعدما استعاد «تنظيم الدولة» مدينة تدمر من القوات السورية، اتسعت رقعة المناطق التي يسيطر عليها «تنظيم الدولة» في سوريا، بعدما أُضيفت تدمر إلى مناطق السيطرة المتصلة للتنظيم مع «الرقة» التي تُمثل معقل التنظيم الرئيسي على الأراضي السورية.

وبعد معركة استعادة تدمر الأخيرة، أصبح التنظيم يسيطر سيطرةً كاملة على محافظة الرقة، ومدينة تدمر، ذلك بالإضافة إلى أحياء الحجر الأسود، وأحياء القدم والتضامن في ريف دمشق الجنوبي، وأجزاء من دير الزور،فيما تستمر المعارك بين التنظيم، وبين القوات التركية ومسلحي الجيش السوري الحر شمالي سوريا بالقرب من منبج، في إطار ما تسميها تركيا عملية «درع الفرات».

وهاتان خريطتان لأماكن سيطرة «تنظيم الدولة» في سوريا قبل وبعد استعادة تدمر، الأولى تعود إلى 15 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، أي بعد استعادة تدمر (الظاهرة بعلامة +)، والثانية تعود إلى 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أي قبل استعادة تدمر.

وتظهر مناطق سيطرة «تنظيم الدولة» باللون الأسود، ومناطق سيطرة المعارضة باللون الأخضر، ومناطق سيطرة النظام السوري وحلفائه باللون الأحمر، ومناطق سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية باللون الأصفر، فيما يعبر اللون الأزرق عن سيطرة إسرائيل على هضبة الجولان السورية، واللون الرمادي عن أماكن تواجد القوات التركية ومسلحي الجيش السوري الحر شمالي البلاد.

كيف يمكن لـ«تنظيم الدولة» استغلال الأهمية التاريخية لتدمر في أغراض دعائية؟

لا تعتبر تدمر مجرد ساحة من اليابسة استعادها التنظيم في سوريا، وإنما تكتسب المدينة السورية أهمية تاريخية كبيرة قد يستغلها التنظيم في أغراض دعائية، إذ تعد تدمر واحدة من أقدم المدن في العالم، ويعود تاريخها إلى أكثر من ألفي عام. وكانت اليونسكو قد أدرجت تدمر، وخمسة مواقع أخرى في سوريا، على لائحة التراث العالمي الإنساني. فالمدينة التي كانت تُعرف باسم «لؤلؤة الصحراء»، كانت قبل الحرب، قبلةً لأكثر من 150 ألف سائح.

وألقت الحرب بظلالها على المدينة، بحيث دُمّرت العديد من الأعمدة ذات التيجان الكورنثيّة، عام 2013، مع احتدام الصراع مع النظام والمعارضة. وبعد أشهر قليلة من سيطرة «تنظيم الدولة» على المدينة، في مايو (أيار) الماضي، دمّر معبدي بعل شمين وبل، وذلك في أُغسطس (آب) 2015.

ومن الممكن أن يكرر التنظيم ممارسات كتلك مع معالم أثرية أخرى كنوع من «البروبجاندا» الدعائية الذي استخدمها التنظيم سلفًا، وقد تزداد أهمية استخدامها الآن في ظل الضربات والخسائر الشديدة التي يتلقاها التنظيم في سوريا والعراق خلال الأشهر الأخيرة.

ليسحب التنظيم البساط الدعائي من الأسد، الذي كان قد وصف استرداد القوات السورية للمدينة في مارس (آذار) الماضي بـ«الإنجاز المهم، ودليل جديد على نجاح الإستراتيجية التي ينتهجها الجيش السوري وحلفاؤه في الحرب على الإرهاب»، مُلمحًا إلى أن انتصار قواته الأخير، يُظهر «عدم جدية» التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، في محاربة ما أسماه بـ«الإرهاب»، في إشارة إلى «تنظيم الدولة».

كما أن الأهمية التاريخية والسياحية للمدينة، جعلت إيرنا بوكوفا، المديرة العامة لمنظمة اليونسكو تُشيد، في مارس (آذار) الماضي باستعادة الجيش السوري لتدمر من «تنظيم الدولة»، لافتةً إلى أنه «منذ عام، أصبح نهب تدمر رمز التطهير الثقافي، الذي يضرب الشرق الأوسط».

كيف سيستفيد التنظيم من استعادة تدمر اقتصاديًّا؟

بالإضافة إلى القيمة التراثية والسياحية لتدمر، تكتسب المدينة أهمية اقتصادية كبيرة؛ نظرًا لأنها تضم مصادر مهمة للطاقة، من أبرزها حقل جبل الشاعر، الذي يُنتج حوالي 23 مليون متر مكعب من الغاز يوميًّا، بالإضافة إلى حقل جزل للنفط، الذي يقترب من المدينة، وينتج تسعة آلاف برميل يوميًّا. وبعد سيطرة التنظيم عليه، انخفض معدل الإنتاج ليصل إلى حوالي 2500 برميل لهروب الفنيين منه خوفًا من التنظيم.

كما أن جُغرافيا المدينة تُساعد على تحقيق المزيد من السيطرة على خطوط النفط والغاز، إذ إن كافة الخطوط تنتقل من المنطقة الشرقية إلى الداخل السوري، مرورًا بنقاط قريبة من تدمر، وبذلك تمثل استعادة المدينة فرصة كبيرة لـ«تنظيم الدولة» في إعادة إحياء مصادر جديدة لتمويل مقاتليه، عن طريق العائدات النفطية للآبار سالفة الذكر، وهي مصدر ليس بالجديد على التنظيم الذي اعتاد استخدام النفط مصدرًا أساسيًّا لتمويله.

ما الدلالة السياسية لتزامن استعادة التنظيم لتدمر مع استعادة النظام السوري لشرقي حلب؟

جاءت استعادة «تنظيم الدولة» لمدينة تدمر، مع تكثيف هجمات النظام السوري وحليفه الدولي الأكبر روسيا، على الفصائل المعارضة والمدنيين شرقي حلب، تلك الهجمات التي انتهت بسيطرة النظام وحلفائه على حلب، في واحدة من أكبر الانتصارات الإستراتيجية لمعسكر النظام على الأراضي السورية.

ولكن الانتصار على المعارضة الذي يعد انتصارًا إستراتيجيًّا لمعسكر النظام على المعارضة، تزامن معه فقدان معسكر النظام السيطرة على مدينة ذات أهمية إستراتيجية لـ«تنظيم الدولة»؛ مما يدلل بشكل واضح على أن سوريا وروسيا يعطون أولوية لمواجهة المعارضة المسلحة، على مواجهة «تنظيم الدولة» على عكس ما يعلنون، وبالأخص روسيا التي تؤكد مرارًا وتكرارًا أولوية الحرب ضد «تنظيم الدولة» في إطار تدخلها العسكري في سوريا.

وهو ما اتجه إليه ديفيس المتحدث باسم البنتاجون عندما علق على استعادة تنظيم الدولة لتدمر، تزامنًا مع تكثيف هجمات معسكر النظام شرقي حلب، قائلًا: «إن ما جرى يدعم ما يقوله البعض بأن النظام بدعم من روسيا كان تركيزه منصبًا بالكامل على حلب، لدرجة أنه نسي أن ينظر في المرآة ليرى ما يحدث خلفه في تدمر».

كيف سيكون مستقبل «تنظيم الدولة» وعاصمته في سوريا؟

يستطيع «تنظيم الدولة» استثمار الهجمات التي يتلقاها في الموصل العراقية، واستعادة النظام السوري لشرقي حلب، في معركته المرتقبة بـ«الرقة» التي يعتبرها عاصمة «الخلافة» ومعقل التنظيم الأقوى حاليًا؛ فبالنسبة لهجمات لموصل، استفاد التنظيم من هروب المئات من مقاتليه إلى «الرقة»؛ ففي يوم الجمعة الماضية، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بوصول أكثر من 500 مقاتل بـ«تنظيم الدولة» إلى الرقة، قادمين من الموصل.

ومن ناحية أخرى، فإن الانتهاكات التي مارستها بعض القوى الشيعية والكردية ضد المدنيين المسلمين السنة والعرب في الموصل، على أسس طائفية وإثنية، قد تدفع عددًا من المدنيين السنة في الرقة للتعاطف أو الانضمام لـ«تنظيم الدولة» أثناء معركة الرقة، وبالأخص مع مشاركة وحدات حماية الشعب الكردية في تلك المعركة، بجانب النظام السوري وحلفائه من المليشيات الشيعية.

أما عن حلب، فإن الانتهاكات الشديدة التي طالت مدنيين شرقي حلب من قوى النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، قد يخلق نوعًا من الحاضنة الشعبية لـ«تنظيم الدولة» لدى بعض مدنيي الرقة، ويدفعهم للقتال معه، خوفًا من تكرار تجربة القتل الحتمي في حلب، مع مظلة إنسانية شبه منعدمة كما حدث فيما يخص حماية مدنيي حلب.

وفي هذا الصدد، ذكرت صحيفة إيزيفستيا الروسية «إن عدد سكان الرقة الآن قرابة 220 ألف نسمة، معظمهم من العرب، الذين قد ينضوون تحت راية (تنظيم الدولة) في لحظة يأس». وفي السياق ذاته، لفتت مستشارة مدير المعهد الروسي للدراسات الإستراتيجية، إيلينا سوبونينا، إلى وفود المئات من مسلحي «تنظيم الدولة» من الموصل إلى الرقة.

وقالت إيلينا: «إن اقتحام الرقة سيكون صعبًا جدًّا؛ فالمدينة أُعدت بشكل جيد للدفاع، وتجمع هناك عدد كبير من المتعصبين، والمستعدين لأن يصبحوا شهداء، وليس لديهم ما يخسرونه. فهم يذهبون إلى هناك لكي يموتوا، ولا يمكن التفاوض معهم، وهذا يعني أن في انتظارنا اقتحام طويل ودموي آخر».

ساسة بوست 

Print Friendly, PDF & Email

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *