الثلاثاء ، 25 يوليو 2017 ، الساعة 12:39 بتوقيت مكة المكرمة
الرئيسية / منوعات / مَاذا تَعرِفُ عَن سَيفِ اللَّهِ المَسلُول؟

مَاذا تَعرِفُ عَن سَيفِ اللَّهِ المَسلُول؟


علي السليمان
لا حاضر لأمة تنسى ماضيَّها ولا مستقبل لأمة تنسى فضائلها، ولقد أنجبت هذه الأمة الميمونة رجالًا سيقف التاريخ على سيرهم العطرةِ وأيامِهم النَيِرَّة.

وصلى الله على الصادق المصدوق صلوات الله وسلامُه عليه، خيرُ من تكلَّمَ عن الله عزَّ وجلَّ بأفصَحِ اللسان العربي المُبين:

عن أَبِي مُوسَى قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ.

وهذا سيفُ الله المسلول خالدٌ رضي الله عنه، ذلكم الصحابي العَلَمُ من أعلامِ الجهاد في البلاد على مرِّ التاريخ والقائد العسكري الفَذُّ القويٌُ.

وهو عَالَمٌ وحده من القيادة والريادة، والذي أقبلَ القادة في العالم أجمع على أن ينهلوا من مورِدِهِ الخَالِدِ، فنَّ القتال والحروب، فهو فارس الإسلام والمسلمين وقائد المُجاهدين، وإنَّه سيفٌ من سيوفِ الله ربِ العالمين بشهادةِ سيَّدِ النبيين صلى الله عليه وسلم، وهو تِرياقُ وساوس الشياطين والكافرين والمنافقين بشهادة الصِدّيق الأمين، وهو داهيةُ العرب كافَّة في عالم الكرِّ والفرِّ وهو الفارس الرشيد القائدُ المجيد فهو خالدُ بن الوليد البطلُ العنيد رضي الله عنه وأرضاه.

وقال الشاعِرُ متحدثًا عن الرعيل الأولِ من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين:

مَنْ قَالَ إِنَّ بَنَانَ الطِّفْلِ يَا وَطَنِي يَوْمًا سَتَلْمِسُ تَارِيخًا فَيَنْفَجِرُ؟!
مَنْ قَالَ إنَّ خُطَا الأَطْفَالِ مُرْعِبَةٌ وَإِنَّهُ مِنْ خُطَاهُمْ يَبْدَأُ السَّفَرُ؟!
مِنْ أَيْنَ جَاؤُوا؟ وَلَمْ يَحْمِلْ بِهِمْ نَبَأٌ وَلا تَمَخَّضَ عَنْهُمْ قَطُّ مُؤْتَمَرُ
جِيلٌ مِنَ الصَّخْرِ قَدْ قُدَّتْ مَلامِحُهُ وَمِنْ رَمَادِ الشَّظَايَا أَوْرَقَ الشَّجَرُ
جِيلٌ تَأَلَّقَ فِي آفَاقِهِ حَجَرٌ أَسْتَغْفِرُ اللهَ، بَلْ هَزَّ الْوَرَى حَجَرُ
فَلا الْمَدَافِعُ أَجْدَتْ فِي قَذَائِفِهَا وَلا الْقَذَائِفُ قَدْ أَسْرَى بِهَا خَبَرُ؟!
وَمَا رَمَيْتُمْ وَلَكِنَّ الإِلَهَ رَمَى فَكَيْفَ يُهْزَمُ مَنْ بِاللهِ يَنْتَصِرُ
إِنَّ الْيَهُودَ بِتَارِيخِ الْوَرَى بُؤَرٌ أَلَمْ يَحِنْ بَعْدُ أَنْ تُسْتَأْصَلَ الْبُؤَرُ
إِنَّ الْيَهُودَ رُؤُوسٌ كُلُّهَا يَبِسَتْ لَكِنَّهَا تَحْتَ عُنْفِ الطَّرْقِ تَنْكَسِرُ

_____

فقد نشأ خالد رضي الله عنه في بيت الوليد بن المُغيرة أبوه، وكان أغنى أهل مكة حتى كانوا يلقبونه بالوحيد، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان المُغيرة يقول: أنا الوحيدُ بن الوحيد لا نظيرَ لي ولأبي المُغيرة في العرب، وهل تعلم أنَّ المغيرة والدُ خالد رضي الله عنه كان ينهى الناس في مكَّة عن أن يوقِدوا نارًا في موسمِ الحج، ويأبى أن يُطعم الحجيج في منى إلا هو، فانظروا إلى جانب السخاء والعطاء في هذا البذل ورُبَما يُطعمهم للكبر والرياء، وكان عنيدًا وللقرآن مُكَذِّبًا وكان يَصِفُ النبي صلى الله عليه وسلم بالساحر؟!
فتوعدَّهُ الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم بقوله:

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ

كل هذه الآيات نزلت في والد خالد بن الوليد رضي الله عنه وسبحان الله مُقَلِبِ القلوبِ الذي أخرجَ من صُلبِ والدِ خالد
خالدًا رضي الله عنه وأرضاه السيوف المسلول في أعناق المشركين والكافرين، وسبحان من أخرج من صُلب أبي جهل عكرمة رضي الله عنه الراكبُ المُجاهر، وسبحان من بيده الكون والأمرُ كُلِّه، وينشأ خالد رضي الله عنه في ذلكم البيت الكاره للإسلام والمسلمين والحقد عليهم، وذلك ورثه خالد من والده الكافر وآذوا النبي صلى الله عليه وسلم، وترك البيئة المترفة كلها إلى الصحاب ليتعلم الفروسية والخيول وكان عاشقًا لها لتلك البيئة وكره عيشة الترف والنعيم، إلى أن تولى في غزوة أحد قيادة الميمنَة في جيش المُشركين بقيادة أبي سفيان آنذاك وخرجوا بجيشٍ جرار لِيُعوضوا تلك الهزيمة لم في بدر، وهو الذي استطاع هزيمة المسلمين آنذاك بعد أن خالفَ الرُماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وبسرعة خاطفة طوق خالد المسلمين من الخلف ويستشهد عدد كبير من المؤمنين في تلك الغزوة، ويتعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسَه للقتل وانتشر خبرُهُ بين الناس.
وحُسِمَ الأمر للمسلمين لولا أن ترك الرُماة أماكنهم كما قال البراء بن العازب رضي الله عنه، كما جاءَ في الصحيح
وألقى الصحابة بين أيديهم السلاح واستسلموا بعد أن كانوا مُحاصرينَ من الكُفار واستُشدَ من استُشهدَ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأُشيعَ خبرُ قتل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فألقى الصحابة الأسلحة ومرَّ عليهم أنس بن النَّضِر رضي الله عنه وقال لهم: ماذا أنتم فاعلون؟
قالوا له: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نصنَعُ في الحياة بعدَه.
فقال لهم: قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الل صلى الله عليه وسلم، ولكنَّ الله سلَّم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي غزوة الخندق أو الأحزاب كان خالد ومعه مئة فارسٍ مُكلَّفون بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنَّ الله سَلَّم،
وفي سنة الحُديبيَّة يخرج خالد مع مئتي فارس يُريدُ قتل النبي صلى الله عليه وسلم، واضطُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم
أن يُصلي صلاة الخوفُ مع أصحابه الكرام رضوان الله عليهم، وحتَّى أيضًا في عُمرَةِ القضاء عندما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من صُلحِ الحُدَيبيَّة وطاف بالبيت الحرام. فسُبحان الله مقلب القلوب كيفما شاء سُبحانه.
وفي السنة الثامنة للهجرة وبدون مقدمات يزرعُ الله حُبَّ النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان في قلبه، ويخرج رضي الله عنه من مكة المكرمة إلى المدينة المنوَرة ويلقى عمرَ بن العاص رضي الله عنه، ويُحدِثُه عن الإسلام ويقول له: أما حانَ الوقتٌ لنذهب ونُبايِعَ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيقول له خالد رضي لله عنه: أما إنني ما خرجتُ إلا لذلك والله، وفي المدينة تنسكب دموعه من عينيه ويخشع قلبُه ويمُدَ يده ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم ويقولُ له:

أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّك رسولُ الله

وبذلك أذِنَ اللهُ لخالد رضي الله عنه أن يكون من الموحدين حُماةَ هذا الدين تحت لواء رسولِ رب العالمين محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه.

وبعد ثلاثة أشهر من إسلامِ خالدٍ رضي الله عنه يأمُرُ النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا لـِيُناطح الصخورَ الصمَّاء ليقاتل الروم، أو لتأديبِ القبائل التي اعتدت على حدود قيادة المسلمين ومركزهم.
وفي غزوة مؤتة بعد أن استشهد القادة الثلاثة وهم زيدُ بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فما أن استُشهِدوا استلم الراية أبو سُليمان خالد رضي الله عنه بعد أن دارَ حديثٌ بينه وبين الصحابي ثابت بن أقرَم رضي الله عنه حول استلام تلكم الراية وموافقَة الناس المجاهدين في الجيشِ على قائدِهم الجديد خالد رضي الله عنه.
واستطاع خالد رضي الله عنه أن يَضَع خُطَّةً جديدة في ساعات من الليل فأتى بالميمَنة إلى الميسرة وإلى الميسرة في الميمنة
وأخَرَّ مُقّدمة الجيش إلى الوراء والذين في الوراء جعلهم في الأمام، وكلَّف طائفة أخرى إذا أصبح الصباح أن تتخلف وراء الجيش بدقَّة، وطلب منها أن تُثير الغُبارَ من ورائهم وبدأت المعركة في الصباح؛ وإذ بجيشِ الروم خائفٌ وظنَّوا أن خالدًا قد أتى بمدَدٍ من الناس لجيوشه، وخافوا من جُندِ المسلمين؛ فانسحبوا وامتلأت قلوبُهم بالفَزَع والرُعب، وتَحَطَّمت في يَدِّ خالدٍ تِسعَةَ أسيافٍ كما جاء في صحيح البُخاري رحمه الله.
وخالد رضي الله عنه بهذه البطولة الرائعة فتح لجيشه ثُغرةً للانسحاب بطريقةٍ آمنة كونَهم كانوا أقل عددًا من جيش الروم، وقبل أن يعودَ الخالد نرى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي المُبارك وهو على مِنبرِه، ويحكي لهم عن الغزوة وما حصل فيها قبل أن يَصلَ إليه خبرُهم من الناس، ولكن هيهات هيهات، فلقد أوحى الله إليه وأخبَرَه بِكل شيء
كما جاء في صحيح البخاري:

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ، لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ :
أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ
حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ

فسمَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرَ خالدَ فتحًا من عند الله عزَّ وجلَّ، وسمَّى خالدًا رضي الله عنهُ سَيفًا
ويالها من فضيلة ومَنقَّبَةٍ لِخَالِدٍ رضي الله عنه، ويُكَلِفُ النبي صلى الله عليه وسلم خالدًا رضي الله عنه بِهَدمِ الأصنام العُزَّى، وينطلق خالد بن الوليد وهو يقول:

يا عُزَّى كُفرانَك لا سُبحَانَك * * * إنّي أرى اللهَ قد أهَانَك

ويموتُ النبي صلى الله عليه وسلم ويتولى الخلافة أبو بكر رضي الله عنه، وبعده الفاروقُ عُمر رضي الله عنه.

وبعدَ حياةٍ مليئةٍ بالفتُوحاتِ والانتصارات يصيرُ خالدٌ رضي الله عنه بفراشه وهو يقولُ:

ها أنتَ ذا قد أتمَمتَ مسراك * * * ونِمتَ على فراشِ الموتِ مُجيبًا لِمَولاك
ها أنـتَ قَد أتـمَـمتَ كِـفـاحَـك * * * ها أنت قد أتممت ِجهادَك

فلِذكراكَ المَجدُّ أبا سُليمان، ولسيرتِكَ الخُلد يا خالد.

ورضي الله عن الفاروقِ عُمَر إذ يقولُ حين نعاك: رحم الله أبا سليمان، ما عند الله خيرٌ له مما كان فيه، لقد عاشَ حميدًا، ولقِيَّ اللهَ سَعيدًَا.

رضي الله عنك يا خالد يا أبا سُليمان.
ساسة بوست
Print Friendly

رابط مختصر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *