الثلاثاء ، 15 مارس 2016 ، الساعة 2:10 بتوقيت مكة المكرمة
الرئيسية / الاقتصاد / درعا.. رعب آخر الشهر

درعا.. رعب آخر الشهر

4c800b5939b6ba94848081b6
ما أن يأتي آخر الشهر, وهو موعد استلام رواتب الموظفين الذين مازالوا يعملون في مؤسسات الدولة السورية، حتى تبدأ حالة من الخوف والقلق تسيطر على حياة الشاب نورس، ابن الثلاثين عاماً، والذي يعمل معلماً في أحد الصفوف المدرسية في ريف الجنوب المحرر، كما غيره من الموظفين.

فهو على الرغم من أنه وحيد لوالديه من الذكور، ومعفي من السوق الإجباري وغير مطلوب لأي جهة أمنية، لكنه يتوجس كثيراً  من الذهاب إلى المدينة لاستلام راتبه كل شهر، كما يقول.

ويضيف نورس “إن استلام الراتب مع نهاية كل شهر من مركز مدينة درعا بالنسبة لي، ولكل موظفي الدولة الذين يعيشون في مناطق المعارضة، أصبح هماً لا يوازيه هم، بسبب المضايقات والاتهامات التي تكال لنا من قبل حواجز النظام على الطرقات وداخل المدينة”، لافتاً إلى أن القلق من الذهاب إلى درعا يبدأ عادة قبل عدة أيام حيث تسيطر عليه حالة من العصبية والخوف والارتباك، ويبدأ هو وأسرته  بقراءة التمائم والأدعية، حتى يذهب ويعود سالماً إلى منزله وعائلته.

وأضاف: “يلازمني شعور في كل مرة أذهب فيها إلى درعا بأنها ستكون آخر مرة ولن أعود بعدها لأولادي”.

ويقول: “هذه الحالة تبقى ملازمة لي حتى أعود إلى قريتي سالماً معافى من كل شر، ومثلي العشرات الآخرين الذين يعانون من نفس الأعراض النفسية هذه”.

واستطرد: “عندما يطول انتظارنا لسبب أو لآخر عند أحد الحواجز ريثما ينتهي /تفييش/ الهويات، تكون أعصابنا قد وصلت إلى حالة من الانهيار، وتدور في رأس كل راكب منا آلاف الأفكار السوداوية وعشرات التساؤلات، حول من يا ترى ستكون الضحية الجديدة من بين هؤلاء؟”.

ويؤكد مروان، 43 عاماً، العامل في مؤسسة المياه ذلك، ويقول “إننا محكومون ومجبرون على الذهاب إلى درعا لاستلام الراتب، لأنه وفقاً للتعليمات الأمنية يفترض على كل موظف الحضور شخصياً لاستلام راتبه”، لافتاً إلى أن الحاجة للراتب ولقمة العيش هو ما يجعل هؤلاء الناس يصبرون على كل الإهانات، ويعيشون هذه الحالة من الرعب، لأنه لا بديل لهم ولا مهن أخرى يستطيعون مزاولتها في هذا السن، فحركة العمل متوقفة بسبب الظروف التي تعيشها البلاد، لذلك “يمعن النظام في إذلالنا من أجل لقمة العيش، فهي أصبحت مغموسة بالذل، والخوف والدم”، كما قال.

أما  قدير، خمسون عاماً، مدير مدرسة، فيقول “إن تجاوزت كل الحواجز بسلام وصولاً إلى مديرية التربية ستجد هناك من يذلك ففيها حاجز أمني من نوع خاص، حيث نؤمر بالاصطفاف في طابورين واحد للنساء وآخر للرجال وتجمع الهويات للتفييش تحت الاهانات والتهم والمحاضرات في الوطنية، يلقيها أميون من عناصر أجهزة النظام، حيث تبدأ التهم من التعامل مع الثوار في المناطق والتخوين وصولاً إلى التهديد بالطرد من الوظيفة والاعتقال، وإياك أن تحرك ساكناً أو تنبس ببنت شفة عندها سيكون مصيرك مجهولاً”.

وأضاف أنه في كثير من المرات لم يكتف عناصر النظام “بإذلالنا شفهياً وبالتهديد، بل أمرونا أن نمشي مشية “البطة” زيادة في إذلالنا وكان من بيننا كبار في السن  ومرضى، تخيل حجم هذا الإذلال الذي نعيشه كل شهر”.

ويقول عبد العزيز، 48 عاماً، موظف في إحدى مؤسسات الدولة، “لم تعد تقتصر الاهانات وحالات الخوف على الحواجز فحسب، بل زادت تلك الحالات بسبب الإجراءات الجديدة التي عمد النظام إلى اتخاذها مؤخراً والمتعلقة بإخضاع الموظفين ممن تجاوزوا الخامسة والأربعين من العمر، إلى دورات تأهيل أو ما يسمى دورات الدفاع الوطني، ليكونوا بديلاً أو رديفاً لعناصر قوات النظام على الحواجز، مقابل زيادة في الرواتب، وهذه الدورات في ظاهرها تطوعية لكنها في باطنها إجبارية، فإن رفضت سيكون مصيرك الفصل من الوظيفة، فتقع عندها بين خيارين إن رفضت ستفقد وظيفتك، وإن قبلت ستصبح هدفاً للفصائل المسلحة العاملة ضمن بلدك أو قريتك، مما اضطر البعض إلى ترك الوظائف، أو انتقل  للعيش مجبراً في أماكن سيطرة قوات النظام لمزاولة وظائفهم”.

المعاناة لم تقتصر على الموظفين فحسب بل الطلاب أيضاً والسائقين العاملين على الخطوط بين القرى لهم معاناة لا تقل عن معاناة باقي المواطنين.

ويقول عيسى، طالب جامعي، “الكل يتعرض للاعتقال والحجز والطالب لم يعد قادراً بسبب الحواجز وطول مسافة الطرق على مواصلة حضور محاضراته في كليات درعا، فهو إما أن يتعرض للاعتقال أحياناً أو للسحب إلى الخدمة الإجبارية، حتى ولو كان لديه تأجيل دراسي، فالمسألة خاضعة لمزاجية الضباط على الحواجز، أضف إلى ذلك أن أجور النقل عالية، فأجرة الراكب من المنطقة الغربية بالسرفيس إلى درعا تبلغ نحو 800 ليرة سورية، ومثلها في العودة، وهو ما يفوق إمكانيات أي طالب أو موظف، والموظف الذي يعمل في دوائر درعا يداوم مرة أو مرتين في الأسبوع، لأنه لو داوم يومياً لما كفاه راتبه الشهري أسبوع أجور فقط”.

أما عماد، 46 عاماً، سائق سرفيس، يقول “إن أسباب ارتفاع أجور النقل كثيرة من أهمها المسافات الطويلة بين المناطق وبين درعا فالخط السابق المار من المنطقة الغربية عبر اليادودة أغلق بعد المعارك الأخيرة وأصبحنا نضطر إلى الذهاب عبر طرق فرعية, وزراعية طويلة وصولاً إلى جسر الخربة والاوتستراد الدولي للدخول لدرعا من الناحية الشرقية وهو المنفذ الوحيد، وعليك أن تنطلق بسفرتك من الخامسة فجراً، حيث نمضي ساعات طويلة على الحواجز”، لافتاً إلى أن السبب الآخر لارتفاع أجور النقل، هو الرشوات “التي يجب أن ندفعها لبعض الحواجز، حيث يطلب الحاجز من السرافيس أو وسائط النقل المارة، عشر لترات مازوت تفرغ من دبو أو مستودع المحروقات الخاص بالسرفيس، عند العودة، وهي تدفع بشكل يومي، وعليك أن “تشفط الكمية المطلوبة”، أمامهم من السرفيس مباشرة، وتحملها في “بيدون” إلى أمام الحاجز”.

وأشار إلى أن السرفيس إذا كان فيه بعض المواد الاستهلاكية فله حسابات أخرى، أما سيارات نقل المواد فغالباً لا تمر على هذه الطرق، وإن مرت تدفع مبالغ طائلة للحواجز، وهي غالباً ما تمر عبر الطرق الحربية التي تقع سيطرة المعارضة المسلحة.

هذا غيض من فيض مما يعانيه المواطن السوري في ظل عمليات الحصار المفروضة على المناطق  المحررة والتي عمد النظام إلى تقطيع أوصالها لتضييق الخناق على الثوار والحاضنة الشعبية لهم، وما خفي أدهى وأمر.
اقتصاد مال وأعمال السوريين 

Print Friendly

اضف رد